مدونة أكتب فيها خطواتي الأولى في مشوار الألف خطوة تجاه عالم الكتابة
 

مدونة الأديب أحمد زكريا منطاوي

المزارع الصعيدي (قصة قصيرة..ربما)

كتبهاأحمد زكريا منطاوي ، في 29 ديسمبر 2007 الساعة: 17:13 م

المزارع الصعيدي(قصة قصيرة..ربما)

العرق يسيل وينهمر من الجميع بلا استثناء وهل غيره يوحدنا ويجمعنا،أترنح يميناً ويساراً في ردة فعل تلقائية أراد بها عقلي الباطن فسحة بسيطة أو حرية جزئية لكن الزحام يأبى ..وأعذره في ذلك..خاصة ان كان المكان هو المترو !
- " تعالى ياصعيدي شكلك لسة بايع محصول القطن وخايف الايراد يتقلّب منك في مصر (المحروسة) "
كنت أقولها له ملاطفة إلا أنه صدقها و جاءني مسرعاً وحللت أنا مكانه في ثقة أني لن أفقد شيئاً لأن فاقد الشيء لايعطي أحداً ولو كان لصاً محترفاً ،همست له مبتسماً : " انت خايف على ايه وعمال تخبيه كدا..إياكش يكون ايراد محصول القطن دا لو كان بيتزرع في مصر دلوقت ؟! "
لم أعرف كيف نطقت كلمة "إياكش" هذه ولكني أعرف لماذا نطقتها حيث وددت التقرب من هذا الصعيدي بالتقرب من لهجته فخرجت هذه الكلمة الهجين من كل لهجات قرى ونجوع مصر …
رد عليّ في حذر شديد وخوف مترنح ضعيف : " هي الزحمة في العربية دي بس ولا في كل العربيات يابيه "
ماأن أتم كلماته الضعيفة التي تعاني حشرجات الموت ..حتى أعاد يديه لمكانها ثانية حيث تغطية مايخاف سرقته من لص قاهري !

رددت عليه هامساً أيضاً -وربما همسي هذا ماأكسبه خوفاً زائداً - : " لا ماتخافش العربيات كلها كدا وبعدين عشان العربية دي جنب عربية السيدات ..فالرجالة فيها كتير"

وراح يضحك وانبسطت شفتاه في بلاهة مراهقة.يمد يده في جلبابه كأنما يستل سيفاً من غمده مشهراً إياه وإذ بي أرى جواز سفر .هو دا يابيه اللي خايف عليه يتسرق دا شقا عمري فيه وحياتي اللي جاية فيه بردو"
ويضحك في بلاهة أحسن صنعاً من سابقتها وجسده ينثني مستجيباً لهزات قهقهاته الصعيدية ..التي إن سمعها ميت هبّ مستيقظاً من غفلته خائفاً يظن حسابه يوم القيامة أتى .كل هذا وأنا مبتسم لاأبالي..ألحظ ضجرهم تجاهه أشبه بعويل الذئاب قبل افتراس ضحاياها .

كان سؤالاً ندمت أشد الندم أن سألته ..جيوش جرارة من الندم حاولت حسم المعركة لصالحي إلا أنها فشلت فشلاً عظيماً .."هو انت رايح السعودية تشتغل ايه"
كان ندمي يوبخني أثناء قيام الفلاح الصعيدي بحكي سيرته الأولى منذ ولد إلى أوان إرادته السفر للسعودية ليعمل بها مزارعاً .
أقسم بالله أن أكثر من ثلثي ماتفوه به لم أع له شكلاً ولا لفظاً ..كل مافهمته هي تلك الضحكة البلهاء المستطردة في انجاب قهقات مدوية " إهي هي هي هي هي هي هع هع هع هع هع "
أزفها بشرى للمسلمين والعرب .أننا نملك حنجرة قوية في حلقوم هذا الفتى إن أتحنا لها الفرصة لفتكت بأشد أعداء الأرض قوة وطغياناً.مشكلتي كمُنت في كيف لي إيقاف هذا الجيش الحنجوري الآت إلي هازماً صوتي الوديع المتهالك الجدران .
فكرت أثناء حديثه المبهم في تلك الكيفية " ربنا يوفقك وتتجوز كدا ان شاء الله "قبل اتمامها أعطيته ايحاءً بذهابي مكاناً بعيداً ما أن أصبح هذا الصعيدي خلفي كليةً ..بدأ بصيص أمل الاطمئنان يتسرب الي ..عيناي المنفرجتين المبتعدين كما الأحول يعودان لمستقرهما ..شفتاي ينطبقان تماماً نتيجة ابتسامة رسمتها طمأنينتي ..خطواتي أصبحت أكثير ثباتاً ودقة .
ذراعاً طولى تمتد إلى كتفي الأيمن ..تخنقها ..تقيدها..تمسك بتلابيبها ..تحاول تعديل مساري إلى الوراء..أرى الصعيدي يبتلع ريقه كأنما يبتلع دبابة ..وجهه يختنق ..احساس بالأمل يعود مرة أخرى حيث الخلاص منه إلى الأبد
- " هي هي هي هي هي هي هي هع هع هع هع هع هع :جرى إيه يابيه بقى تدعيلي عن الجواز وتسيبني إكده..اجعد ف ريحي أحكيلك عن البت اللي كنت بدوب في دباديب اللي خلفوها واني زغير "
تخلصت من ذراعه الكلاشينكوف ..على ثلاث خطوات منه لازلت ابتعد ..أشق الزحام كما شق موسى البحر..ذراعه اليسرى -فوهة الدبابة الروسية- تمتد تركلني وتوقعني أرضاً ويسحبني تجاهه .
- " خلاص حرمت ياباشا ..هسمعك للآخر بس من غير دراعاتك دول ..أبوس إيدك "
- " هي هي هي هع هع هع هع هع هع هع ..ماكان م الأول يابيه..هي هي هع هع..عقوبة ليك إنك حاولت تسيبني وتمشي إكده..هحكيلك كل الحكاوي اللي سمعتها م أول ماخلفوني"
وأخرج ربابة من جلبابه وراح يصدح بالصوت العالي مع فاصل من الضحكة المهذبة "هي هي هي هع هع هع هع هع هع "

 

أضف الى مفضلتك
  • del.icio.us
  • Digg
  • Facebook
  • Google
  • LinkedIn
  • Live
  • MySpace
  • StumbleUpon
  • Technorati
  • TwitThis
  • YahooMyWeb

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
التصنيفات : قصة قصيرة | السمات:
أرسل الإدراج  |   دوّن الإدراج  

3 تعليق على “المزارع الصعيدي (قصة قصيرة..ربما)”

  1. تحية طيبة…أدعوكم لزيارة مدونتي والتعليق..شكرا

  2. اخي احمد قصصك ممتعة وجميلة قرات لك قصة الهروب واعجبتني
    تحياتي لك

  3. شاكر لك مرورك المعطر أخي أحمد ناصر ..

    مدونتك أصبحت لي مرجعاً لاكتشاف الجديد ..

    أعانك الله في غربتك وسقانا من زمزم فكرك الكثير والكثير شربة لانظمأ بعدها أبداً ..

    والسلام عليكم



اكتب تعليــقك
الإسم الذي سيظهر على التعليق
مشتركي مكتوب
اسم آخر